top of page

أهمية السردية في المنظمات: إدارة القصة

  • 22 مايو
  • 3 دقيقة قراءة

السردية هي القصة؛ أو ربما الوحدة المكوِّنة لنواة المنظمة، ومعناها العام، وصورتها النهائية. لكن كيف ذلك؟


القصة تظهر في استراتيجية المنظمة: من نحن؟ ماذا نعمل؟ كيف نعمل؟ من عمل معنا؟ ما الذي نعد به؟ وما القيمة التي نقدمها؟ بل حتى في طريقة التسعير، والخدمات، واللغة المستخدمة، والقرارات اليومية.


لكن السرد ليس قصة تُروى من اتجاه واحد فقط، ولا هو مجرد ما تقوله المنظمة عن نفسها. السرد هو أيضًا مجموع القصص المتشكلة في وعي المستفيدين والموظفين والمجتمع. أحيانًا تختصر منظمة كاملة في جملة عابرة يرددها الناس: “هؤلاء يعملون باحتراف” أو “هؤلاء يهتمون بالإنسان”. وفي أحيان أخرى، تتشكل قصة مختلفة تمامًا عما تظنه المنظمة عن نفسها.


قد تكون السردية أداة لإدارة الداخل.


ما دورة حياة الموظف منذ يوم دخوله المنظمة حتى يوم خروجه؟ ماذا تعلّم؟ كيف أُديرت خلافاته وتطوره المهني؟ وكيف تشكّلت تجربته داخل المكان؟


كل هذه ليست مجرد إجراءات إدارية؛ بل فصول في قصة يعيشها الموظف يوميًا. والموظف لا يتذكر فقط الراتب أو المسمى الوظيفي، بل يتذكر القصة التي عاشها داخل المكان.


وقد تكون السردية أداة لإدارة الخارج.


حين تروي منظمة كيف استقطبت موظفين بفرص بسيطة ثم طورتهم حتى أصبحوا قادة، فهي لا تروي قصة نجاح فردية فقط؛ بل تقدم دليلًا حيًا على ثقافتها. هنا يصبح السرد رسالة تقول: هذا ما نؤمن به، وهذه نتائج نظامنا المتمحور حول التطوير والتدريب والتعليم المستمر. ومن خلال هذه القصة، تطلب المنظمة ثقة العملاء، واستثمارات المجتمع، وتجذب المواهب.


وقد تكون السردية أداة لإدارة السلوك والتنبؤ. فالمنظمات لا تُدرِّب موظفيها فقط على الإجراءات، بل على السيناريوهات. ماذا لو حدثت أزمة؟ ماذا لو تعطل النظام؟ ماذا لو فقدنا موردًا أساسيًا؟ تُروى هذه السيناريوهات لرفع الجاهزية النفسية والتنظيمية لما قد يحدث.


وقد تكون السردية أداة لإعادة تأطير وفهم الماضي. قد تخفق منظمة في مشروع أو مناقصة، لكنها تعيد فهم التجربة بوصفها جزءًا من قصة أكبر: تعلم، وتصحيح مسار، واستعداد لنجاح لاحق. هنا لا يصبح الفشل انقطاعًا للقصة، بل فصلًا منها.


كما قد تكون السردية أداة للسفر نحو المستقبل. في كثير من معامل الابتكار والتجريب يبدأ الحوار بأسئلة مثل: ماذا لو؟ هل يمكن؟ لماذا لا؟ لو فعلنا كذا... ماذا سيحدث؟ هذا أيضًا نوع من السرد؛ إبحار في الممكن وغير الممكن.


وفي كثير من الأحيان، فإن أي خلل في المنظمة، أو أي نتيجة لم تتحقق، قد تكون بداية فهمها من مراجعة القصة والتفاصيل اليومية للحياة داخل المنظمة.


قد تقول منظمة إنها تريد الابتكار، بينما تفاصيلها اليومية لا تكافئ إلا السرعة والإنتاجية العالية. لكن الابتكار يحتاج مساحة للتجريب، ووقتًا للتفكير، وقلبًا إداريًا يتسع للخطأ.


وقد تقول إنها تريد التميز، بينما تُدار التفاصيل كلها بالتنميط. فكيف يظهر المختلف إذا كانت الحياة اليومية تشجع التشابه؟ إلا إذا كان تعريف التميز نفسه هو ضبط إيقاع النمط.


حين تختلف القصة، يختلف الهدف، وتختلف النتيجة. وفي أحيان كثيرة، لا تتحقق الغاية لأن هناك عدم انسجام بين القصة المعلنة والتفاصيل اليومية المعاشة.


فالثقافة التنظيمية ليست مفهومًا مجردًا؛ بل نسيج يتكون من وحدات صغيرة اسمها السلوكيات. أما السردية، أو القصة المؤسساتية، فهي الإطار الذي يوجد داخله هذا النسيج، والذي يمنحه المعنى والعمق والاتجاه. إنها ما يصنع كيان المنظمة، مهما كان نوعها أو حجمها.


وليس الأمر مقتصرًا على المنظمات فقط؛ بل يمتد إلى مستوى الفرد والموظف أيضًا. فالقصة تصنع الثقافة، والثقافة تصنع السلوك. ولعل فهم إدارة القصة على مستوى سلوك الأفراد والمنظمات قد يكون مفتاحًا لحل مشكلات تقليدية مثل الحافزية، والإبداع، والانتماء، والمقاومة للتغيير.


لذلك، ربما تستحق كل منظمة أن تتوقف قليلًا وتسأل نفسها:


ما القصة التي نعيشها فعلًا؟


ابحث عن القصة، اكتب القصة، راجع القصة، ثم أخبر القصة.


 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات


Supporting people, leaders, and organizations through growth, change, and reflection.

bottom of page