top of page

إدارة التركيز والروح المعنوية: مهارة القرن المقبل 

  • 22 مايو
  • 2 دقيقة قراءة



لم يسعفني الوقت لإنهاء الفكرة في محاضرتي الأخيرة. أغلقتُ العرض، وغادرت الطالبات القاعة، لكنَّ شيئًا بقي مفتوحًا داخلي. 


كنتُ أفكِّر: ربَّما لن تكون مهارة القرن المقبل هي الذكاء الاصطناعي وحده، ولا سرعة الإنجاز، بل قدرة الإنسان على حماية انتباهه وروحه من الاستنزاف.

في تخصص السلوك التنظيميِّ، نتعلَّم أنَّ الإنسان لا يدخل إلى العمل بعقله فقط، بل يدخل بمشاعره، وطاقته النفسيَّة، ومستوى اتِّزانه الداخليِّ أيضًا. ولهذا فإنَّ كثيرًا من المشكلات التي تظهر داخل المؤسَّسات ليست دائمًا بسبب نقص المهارة، بل بسبب الإرهاق، والتشتُّت، وفقدان المعنى، وضعف القدرة على إدارة الضغوط. 



في إحدى المحاضرات، كنَّا نناقش مفهوم "العميل الغاضب"، لكنَّ الحوار قادنا إلى مساحة أعمق من مجرَّد خدمة العملاء. تحدَّثنا عن الإنسان المُتعَب أصلًا قبل أنْ يصل إلى العمل، وعن الموظَّف الذي استنزفته الشاشاتُ، والضغوط، والمقارنات المستمرة، وسرعة الحياة الحديثة.

العالم اليوم لم يعد بسيطًا كما كان. لم تعد الحياة مجرَّد رعيٍ وزراعةٍ وحصادٍ، أو لقاءات إنسانيَّة هادئة تنتهي بغروب الشَّمس. نحن نعيشُ اليوم في بيئة تتنافس فيها التطبيقاتُ والإعلاناتُ والمنصَّاتُ الرقميَّةُ على خطف انتباه الإنسان طوال الوقت. كل إشعار، وكل مقطع قصير، وكل مقارنة يوميَّة مع الآخرِين، تستنزفُ جزءًا من التركيز والطَّاقة النفسيَّة دون أن نشعر.

ولعل الأكثر إثارة للتأمُّل أنَّ هذه الآثار لم تعد مقتصرةً على الكبار فقط. حتى الأطفال في المراحل المبكرة أصبحُوا يعانُون من القلق، وضعف التركيز، والتوتر نتيجة التعرُّض المفرط للشاشات، والمقارنات الرقميَّة، وأنماط الحياة المتسارعة. الطفل اليوم لا يقارن نفسه بزميله في الصف فقط، بل بالعالم كله.

ومن هنا أعتقدُ أنَّ أحدَ أهم التحدِّيات في السنوات المقبلة سيكون: كيف نحافظ على إنسانيتنا وصفائنا الداخليِّ وسط هذا الضجيج؟

إنَّ الإنسان الذي لا يتقنُ إدارة انتباهه، وضبط المشتتات، وتخصيص وقت للحياة الواقعيَّة بعيدًا عن الاستهلاك الرقميِّ المستمر، يصبح أكثر عرضةً للاحتراق النفسيِّ وفقدان الشَّغف. وأوقات الصفاء الذهني والطاقة العالية إذا استُهلكت بالكامل في التشتُّت، فلن يبقى للإنسان ما يقدِّمه في العمل، أو العلاقات، أو حتى لنفسه.

ولهذا فإنَّ إدارة الروح المعنويَّة لم تعد رفاهيَّة، بل ضرورة. والبداية ليست دائمًا معقَّدة كما نتصوَّر. أحيانًا تبدأ بابتسامة، أو كلمة طيِّبة، أو سلام، أو مساحة هادئة بعيدًا عن الضجيج.

حين يقولُ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "تَبسُّمكَ فِي وَجهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ"، فالأثرُ لا يعود على المجتمع فقط، بل على الإنسان نفسه أيضًا. المبتسمُ يرسلُ رسالةً داخليَّةً إلى جسده وروحه بأنَّه بخير، وأنَّه آمنٌ، وأنَّ الحياة لا تزال تستحقُّ أنْ تُعَاش بهدوء وامتنان.

ربَّما هذه هي المعركة الحقيقيَّة في عصرنا الحديث: ليست معركة الوقت فقط، بل معركة الانتباه، والطاقة النفسيَّة، وما الذي نسمح له أنْ يسكن داخلنا كل يوم. 


 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
أهمية السردية في المنظمات: إدارة القصة

السردية هي القصة؛ أو ربما الوحدة المكوِّنة لنواة المنظمة، ومعناها العام، وصورتها النهائية. لكن كيف ذلك؟ القصة تظهر في استراتيجية المنظمة: من نحن؟ ماذا نعمل؟ كيف نعمل؟ من عمل معنا؟ ما الذي نعد به؟ وما

 
 
 

تعليقات


Supporting people, leaders, and organizations through growth, change, and reflection.

bottom of page